جدتي

موقع أيام نيوز


2023.
كان المشهد على الشاطئ قد تبدل تمامًا؛ النزلاء في الكابانات المجاورة، والذين شهدوا الواقعة من بدايتها إلى نهايتها، لم يكتفوا بالمشاهدة الصامتة، بل بدأوا يتوافدون علينا واحدًا تلو الآخر. جاءت سيدة وقورة في الخمسينيات من عمرها، تحمل بيدها باقة صغيرة من الزهور البرية التي تباع على الشاطئ، واقتربت من جدتي بكل أدب وانحنت لتقبل رأسها قائلة كل سنة وحضرتك طيبة يا أمي، وعيد ميلاد سعيد عليكي. أنتِ البركة والجمال كله في المكان ده، وما تزعليش من نفوس مريضة ما تعرفش قيمة الأصول. تلتها عائلة أخرى أحضرت معها قالب حلوى صغير كانوا قد اشتروه للاحتفال الخاص بهم، وأصروا على تقديمه لجدتي كهدية عيد ميلاد، وبدأ الأطفال يلتفون حول كرسيها وينشدون لها أغاني عيد الميلاد بصوت جماعي دافئ، اختلط بصوت أمواج البحر المتلاطمة ليصنع معزوفة من الجبر الإلهي الذي أدمع عيوننا جميعًا.
كنت أراقب هذا المشهد من زاوية الكابانا، ودموعي تنهمر هذه المرة فرحًا وامتنانًا. تذكرت كل ليلة قضيتها طوال الثمانية أشهر الماضية وأنا أحسب الجنيهات والدينار، تذكرت كيف كنت أمنع نفسي من شراء ثوب جديد أو حرمان عائلتي من نزهة بسيطة، فقط لأوفر ثمن هذه الإقامة الراقية. في تلك اللحظة، أيقنت أن الله لم يضيع هذا التعب، بل جعل من تلك المحڼة القاسېة سببًا لكي تفرح جدتي أضعافًا مضاعفة، وتخرج من عزلتها النفسية لتشعر بأن الدنيا لا تزال بخير، وأن هناك من يقدر شيبتها ويسند ضعفها.
إدارة القرية الساحلية لم تكتفِ بطرد المرأة ومعاقبة الموظف المتواطئ، بل أرسل المدير العام طاقمًا خاصًا من الضيافة الفندقية ليكون تحت أمر جدتي طوال اليوم. أحضروا مائدة خشبية أنيقة وضعوها داخل الكابانا، وملأوها بأفخر أنواع العصائر الطازجة والمقبلات البحرية، وطلبوا منا ألا نتردد في طلب أي شيء، مؤكدين أن كل ما نستهلكه سيكون على نفقة الإدارة كنوع من الاعتذار المستمر. حتى إن المدير العام عاد بنفسه بعد ساعة، ومعه وثيقة حجز مجانية لجدتي ولي وللأولاد لمدة أسبوع كامل في الموسم القادم، مع كابانا VIP مخصصة لنا طوال فترة الإقامة، لكي يمحو تمامًا أي أثر سيء تركه ذلك الموقف في نفوسنا.
أما أولادي، فقد كانوا الأبطال الصغار في هذه الملحمة. جلسوا عند قدمي جدتي، يمسكون بيديها النحيفتين، ويحكون لها النكات والقصص الطريفة لكي ينسوها ما حدث. كانت جدتي تنظر إليهم وتبتسم تلك الابتسامة التي غابت عن عائلتنا طويلاً، ابتسامة تخرج من أعماق قلبها وجوارحها. التفتت إليّ وقالت بصوت مليء بالرضا عارفة يا بنتي.. الست اللي طردتني دي كانت فاكرة إنها بتذلني، بس هي ما كانتش تعرف إن ربنا مجهز لي عيلة بالدنيا كلها، وإن بنتي ب مېت راجل، وقفت وجابت لي حقي في دقايق من غير ما تغلط ولا تضيع هيبتها. أنا دلوقتي بس حاسة إني عشت تسعين سنة عشان أشوف اللحظة دي.. لحظة ما أشوف تربيتي فيكي وفي ولادك.
مرت ساعات الظهر وجاء وقت الغروب الساحر، حيث بدأت الشمس تغطس ببطء في كبد البحر، وتلون السماء بخيوط من اللون القرمزي والذهبي الدافئ. كان هذا هو المنظر الذي خططت وحلمت بأن تراه جدتي من مكانها المريح. جلست تتأمل الأفق بعينين دامعتين، لكنهما هذه المرة دموع خشوع وشكر لله الذي وهبها العمر لتشهد هذه اللحظة. كانت نسمات الغروب الباردة تداعب وجهها، ورائحة البحر تملأ صدرها، وكأنها تستعيد في تلك الدقائق كل سنوات شبابها وكل ذكرياتها الجميلة التي طمرتها جلطة 2023 وعتمة
الغرفة المغلقة.
حينما بدأ الليل يرخي سدوله، واستعدنا لمغادرة الشاطئ والعودة إلى الشاليه الخاص بنا، كانت جدتي تتحرك بخطوات تبدو أكثر خفة وقوة من الصباح، وكأن كرامتها التي رُدت إليها ضخت دماءً جديدة في عروقها الواهنة. نظرنا خلفنا إلى الكابانا رقم 4، وكانت هادئة وجميلة، خالية من الوقاحة والغرور، مليئة بعبق إنساني ومحبة لن ننساها ما حيينا. عدنا ونحن نحمل في قلوبنا درسًا وعبرة، وفي عين جدتي فرحة انتصار جعلت من عيد ميلادها التسعين أعظم يوم في حياتنا على الإطلاق.

 

تم نسخ الرابط