جدتي
مثلج من الكشك الشهير الموجود على الممشى السياحي، كي تكتمل قعدتنا الجميلة. أومأت برأسها مبتسمة، وسيبتها ترتاح في خلوتها السعيدة مع البحر.
تحركت مع الأولاد نحو الممشى، ولم أكن أعلم أن هذا القرار البسيط سيكون بداية لكابوس غير متوقع. عندما وصلنا إلى الكشك، صُدمت بأن الطابور كان طويلًا بشكل غريب وممتدًا لعشرات الأمتار، يبدو أن الجميع في ذلك الوقت من الظهيرة كان يبحث عن شيء بارد يطفئ الحرارة. حاولت التراجع، لكن إلحاح الصغيرين ورغبتي في إسعاد جدتي بكوب العصير البارد جعلاني أنتظر. استغرق الأمر وقتًا طويلًا، فالتنظيم كان بطيئًا والزحام خانقًا، وتمر الدقائق وثانية وراء ثانية حتى استغرقنا حوالي عشرين دقيقة كاملة بين الانتظار والدفع واستلام العصائر المثلجة. كنا نسير عائدين والفرحة تملأ قلوبنا، وأنا أحمل الأكواب بحذر، وأتخيل وجه جدتي وهي ترتشف العصير البارد أمام البحر.
لكن بمجرد أن اقتربت خطواتنا من موقع الكابانا، شعرت بنغزة قوية في قلبي. المنظر من بعيد لم يكن مألوفًا. لم أرَ خيال جدتي المسترخي على الكنبة. أسرعت الخطى والخۏف ينهش في صدري، وأولادي يركضون بجانبي. وعندما وصلت.. وقع قلبي في رجفي، وتجمدت الډماء في عروقي من هول المشهد.
كل أمتعتنا وحقائبنا، والغطاء الخفيف الذي دثرت به جدتي، وملابس الأولاد، كلها كانت ملقاة بإهمال ومهانة فوق الرمل الساخن الذي تضربه الشمس الحاړقة. ولم يكن هذا هو الأسوأ.. فجدتي، العجوز التي تبلغ من العمر تسعين عامًا، والتي لا تقوى على صلب طولها، كانت تجلس على بعد أمتار خارج الكابانا، فوق كرسي بلاستيكي رخيص وصغير، بلا ظهر مريح ولا ظل يحميها. كانت تجلس في عز الشمس الحاړقة، ووجهها قد احمر بشدة من اللهيب، ودموعها تنهمر مدرارة على خديها المجعدين، وهي تحاول بقلة حيلة ويمين مرتعشة أن تمسح تلك الدموع بطرف ثوبها، وجسدها كله يهتز من البكاء الصامت والانكسار.
انفطرت مرارتي، ورميت أكواب العصير من إيدي دون وعي لتسقط على الأرض وتختلط بالتراب، وجريت نحوها وارتميت عند قدميها وأنا أصرخ بهستيرية إيه اللي حصل يا تيتة؟ مين اللي عمل فيكي كده؟ كلميني يا حبيبتي!. كانت أنفاسها متلاحقة، وصوتها يخرج مخنوقًا بالعبرات، وكأنها طفلة صغيرة تعرضت للظلم ولا تجد من يحميها. نظرت إليّ بعينين كسيرتين مليئتين بالذل الذي طالما هربت منه، وبصوت كله رعشة وهوان، رفعت إصبعها الوجل وأشارت ناحية الكابانا الخاصة بنا.
التفتُّ برأسي نحو الكابانا لأرى مشهدًا يغلي منه الحجر. كانت هناك ست صغيرة في السن، يبدو عليها الثراء الفاحش من مظاهر الغرور والغطرسة التي ترتديها، لابسة مايوه من ماركة عالمية غالية الثمن، وتضع نظارة شمسية ضخمة تخفي عينيها القاسيتين. كانت تجلس وتتمدد بكل برود ووقاحة على الكنبة المبطنة التي دفعتُ ډم قلبي لحجزها، وتمسك بيدها كوبًا من مشروب مثلج، وتضحك بصوت عالٍ مع مجموعة من أصدقائها وصديقاتها الذين أحاطوا بها وكأنهم ملكوا الشاطئ.
التفتُّ لجدتي أستمع لباقي كلامها وهي تشهق بالبكاء، فقالت بنبرة تقطع نياط القلب طردتني يا بنتي.. جت ومعاها الموظف بتاع الشاطئ، وقالتلي اطلعي من هنا فورًا. ولما قلتلها إننا حاجزين المكان ده، زعقت في وشي ورمت شنطنا وحاجتنا كلها على الرمل قدام الناس. وقالت للموظف بكل وقاحة وعين قوية العواجيز مش محتاجين أحسن مكان ولا أحسن منظر، دول يقعدوا في أي حتة في الشمس مش هتفرق معاهم، المنظر ده خسارة فيهم، احنا اللي ندفع وناخد النظافة والراحة.
سكتت جدتي للحظة، وحاولت بجهد جهيد أن تبلع ريقها وتمنع نفسها من