جدتي
قانوني وإلحاق الضرر بالنزلاء. سقطت الكلمات كالصاعقة على الموظف الذي كاد يبكي ويتوسل، لكن الأمن أبعده فورًا.
ثم الټفت المدير العام نحو المرأة وأصدقائها، وبنفس النبرة الحادة قال أما بالنسبة لحضرتك، فبناءً على الشكوى المقدمة، وبناءً على انتهاك القواعد العامة للقرية، والاعتداء على خصوصية وحقوق نزلاء آخرين، وإلحاق أذى نفسي وجسدي بسيدة مسنة.. فقد تقرر إلغاء حجز إقامتكم في الفندق والقرية بالكامل فورًا. أمامكم خمس عشرة دقيقة لجمع أمتعتكم ومغادرة القرية، وسيتم وضع أسمائكم جميعًا على القائمة السوداء لمنع دخولكم لأي منشأة تابعة للمجموعة الاستثمارية في المستقبل.
تلاشت كل مظاهر الغطرسة والوقاحة من وجه المرأة في ثانية واحدة. تلون وجهها بألوان الخزي والعاړ، وتحول كبرياؤها المزيف إلى ذل حقيقي أمام جميع نزلاء الشاطئ الذين كانوا يتابعون الموقف وبدأ بعضهم يصفق تصفيقًا حارًا لقرار الإدارة. حاولت الست أن تتحدث، وتتوسل، وتقول إن زوجها شخصية هامة، لكن المدير العام قال لها بجفاء حتى لو كان مين، كرامة نزلائنا، خصوصًا كبار السن، خط أحمر. اتفضلي اتحركي والأمن هيرافقك لحد ما تطلعي بره البوابة.
بدأت المرأة وأصدقاؤها يلملمون أشياءهم بخزي وانكسار، وعيونهم في الأرض، والكل ينظر إليهم باحتقار وسخرية. وفي هذه اللحظة، التفتُّ إليها وقلت لها بصوت مسموع للجميع العواجيز مش محتاجين أحسن منظر.. بس هما اللي بيصنعوا المنظر بأدبهم واحترامهم، والفلوس اللي خلتك تشتري مايوه غالي، ما عرفتش تشتريكِ بيها نقطة ذوق وأخلاق.. اطلعي بره المكان اللي دافعه فيه ډم قلبي عشان خاطر ضحكة جدتي. لم تستطع الرد، ومشت تجر أذيال الخيبة والندم على كل كلمة وقحة قالتها.
بعد رحيلهم المخزي، قام عمال الشاطئ والمدير العام بنفسهم بجمع حقائبنا وتنظيف الكابانا وإعادتها لأجمل مظهر. وتحركت أنا والمدير العام نحو جدتي التي كانت تتابع المشهد من بعيد وعيناها متسعتان من المفاجأة. انحنى المدير العام بكل احترام أمام جدتي، وقبل يدها وقال لها يا أمي، إحنا بنعتذر لك، القرية والشاطئ والبحر كله ملكك النهاردة، وأي حاجة تطلبيها هي مجاب ليكي فورًا كتعويض بسيط عن اللي حصل.
عدنا بجدتي إلى الكابانا ال VIP، وأجلسناها على الكنبة المريحة وسط الظل البارد والمنعش. أحضروا لها أفخم العصائر والفواكه والمأكولات، وجلس ولداي بجوارها يضحكون ويداعبونها. نظرت إليّ جدتي، والدموع هذه المرة كانت دموع فرح وفخر، وامتدت يدها المرتعشة لتمسح على رأسي وقالت ربنا يخليكي ليا يا بنتي.. رفعتي راسي ورجعتي لي حقي وكرامتي في عز ضعفي. وفي تلك اللحظة، وأنا أرى ابتسامتها الجميلة وعينيها تلمعان أمام زرقة البحر، شعرت أن كل جنيه وكل دقيقة وكل حرمان عشته طوال ثمانية أشهر لم يذهب هباءً، وأن هذه الابتسامة تساوي الدنيا وما فيها، وأن الندم الذي ذاقته تلك الست الوقحة كان العدالة الإلهية التي تجلت في أبهى صورها على شاطئ البحر.
لم تكن تلك اللحظات التي تلت رحيل تلك المرأة الواقحة مجرد دقائق عادية مرت على الشاطئ، بل كانت أشبه بانتصار إنساني عميق تكاتفت فيه الطبيعة مع قلوبنا المجهدة لتصنع لجدتي رد اعتبار لم تكن تحلم به. استقرت جدتي في قلب الكابانا ال VIP وكأنها ملكة متوجة على عرش من المحبة والاحترام. تمددت على تلك الكنبة الوثيرة التي طالما حلمتُ بأن ترتاح عليها، وراحت نسمات البحر العليلة تداعب خصلات شعرها الأبيض الذي يختبئ تحت حجابها الوقور، وبدأت حمرة الغيظ والحرارة تتلاشى تدريجيًا من وجهها، لتحل محلها نضارة غريبة وأمل لم أره في عينيها منذ يوم إصابتها بالجلطة في