جدتي

موقع أيام نيوز

كان هذا الصباح يحمل في طياته رائحة اليود الممتزجة بعبق الذكريات القديمة، صباحًا خططتُ له بكل جوارحي ووهبته كل ما أملك من جهد ووقت ومال طوال ثمانية أشهر كاملة. ثمانية أشهر وأنا أجمع الجنيه فوق الجنيه، أستغني عن احتياجاتي الأساسية، وأختصر في مصروفي اليومي ومصروف أولادي إلى أقصى حد، لا لشيء إلا لأجل تلك الابتسامة التي غابت عن وجه جدتي منذ سنوات. جدتي الغالية، البركة المتبقية لنا في هذه الدنيا، والتي بلغت من العمر تسعين عامًا. تسعون عامًا مرت عليها كفاحًا وتربية وصبرًا، لكن العامين الأخيرين كانا الأثقل على قلبها وجسدها النحيل. فمنذ تلك الجلطة اللعېنة التي أصابتها في خريف عام 2023، انطفأت شعلة الحياة في عينيها، وأصبحت حركتها ثقيلة، وجسدها ضعيفًا واهنًا كأنه ورقة شجر في مهب الريح. انزوت في غرفتها، ورفضت الخروج إلى العالم الخارجي تمامًا، كانت ترى في نظرات الناس عطفًا يوجع كبرياءها، وفي حركتها البطيئة عبئًا على من حولها، ففضلت العزلة والصمت، وصارت أيامها تتشابه بين أربعة جدران وسرير لم يعد يفارقها إلا نادرًا.
لكن مع اقتراب عيد ميلادها التسعين، شعرتُ أن الواجب يناديني بضرورة انتشالها من هذا الحزن المطبق. أردت أن أهديها شيئًا يعيد إليها ولو جزءًا بسيطًا من شغف الحياة. تذكرت حبها القديم للبحر، وكيف كانت تحكي لنا في صغرنا عن صيف الإسكندرية وأيام الشباب، وكيف كان الموج يغسل همومها بمجرد أن تلامس قدماها الرمل. من هنا جاءت الفكرة، حجز كابانا VIP خاصة، معزولة ومريحة، تطل مباشرة على الشاطئ في إحدى القرى الساحلية الراقية، حيث لا صخب يزعجها، ولا زحام يرهقها، بل خصوصية كاملة أمام مشهد البحر الساحر الذي يمتد بلا نهاية. كابانا مجهزة بكل وسائل الراحة، كنبة مبطنة مريحة تحت ظل وارف يحمي جسدها الضعيف من لهيب الشمس، وإطلالة مباشرة تجعلها ترى زرقة المياة وكأنها تملك الدنيا بأسرها. كان الحجز مكلفًا للغاية، يتطلب مبلغًا يفوق قدرتي المالية العادية بأضعاف، ولهذا كان التحدي هو التوفير الصارم لمدة ثمانية أشهر، حُرمت فيها من كل مباهج الحياة الصغيرة، لكن الهدف كان أسمى وأغلى من أي حرمان.
حينما جاء اليوم الموعود، كانت المفاجأة لجدتي لا توصف. في البداية أبدت تمنعًا وخوفًا من مشقة السفر، لكنني قبلت يديها المرتعشتين ورجوتها أن توافق. وإذ بنا ونحن نجهز حقائبنا الصغيرة في الصباح الباكر، نظرت إليّ بعينيها الغائرتين اللتين تحملان حنان الدنيا كله، وقالت بصوت خاڤت متهدج يكاد يبين نفسي أحس بنسمة البحر مرة أخيرة يا بنتي.. قبل ما العمر يخلص. تلك الكلمات نزلت على قلبي كالصاعقة وفي نفس الوقت كالترياق، تأكدت أنني فعلت الصواب، وأن هذه الرحلة ليست مجرد نزهة، بل هي أمنية أخيرة لروح تشتاق للحرية والجمال.
وصلنا إلى الشاطئ، وكانت الفرحة في عينيها تسبق خطواتها البطيئة. ساعدتها بكل رفق، خطوة بخطوة، وأنا أسند يدها الوعكة حتى وصلنا إلى الكابانا ال VIP التي كانت تزهو بموقعها الفريد. جلست جدتي على الكنبة المبطنة الوثيرة، تنهدت تنهيدة عميقة خرجت من أعماق صدرها المتعب، وكأنها تطرد بها ۏجع السنين والجلطة والعزلة. بدأت ملامحها تسترخي تحت الظل البارد، وعيناها تتابع حركة الأمواج بذهول طفولي جميل. اطمأن قلبي تمامًا، ودثرتها بغطاء خفيف لحمايتها من أي نسمة هواء قد تفاجئ جسدها الحساس، ثم التفتُّ إلى ولديّ الصغيرين اللذين كانا يقفزان فرحًا بجوارها. شعرت بالحاجة إلى ترطيب هذا الجو الحار، فقلت لجدتي إنني سأذهب مع الصغيرين لإحضار عصير ليمون
 

تم نسخ الرابط