باب المدرسة
كان حسين يحرص كل صباح أن يوصل ابنته مريم ذات الستة عشر ربيعًا
إلى باب المدرسة بنفسه. يراها تنزل من السيارة بهدوئها المعتاد، حقيبتها على كتفها، وتبادله ابتسامة سريعة قبل أن تختفي خلف البوابة. ثم ينصرف مطمئنًا إلى عمله، لا يخطر بباله أن هناك شيئًا قد يُغيّر كل شيء.
حتى جاء ذلك الاتصال.
في مساء عادي، رنّ هاتف البيت. كانت الأم في المطبخ، وحسين جالس يشرب شايه بعد يومٍ طويل. رفع السماعة فسمع صوتًا رسميًا يقول
حضرتك والد مريم؟
قال بسرعة أيوه يا فندم، خير؟
جاءه صوت المديرة قلقًا نحاول الوصول إليك منذ أيام... مريم غائبة عن المدرسة منذ أسبوع كامل.
تجمّد.
ظن أنه أساء السمع.
أسبوع؟ كيف؟ أنا أوصلها كل صباح بيدي إلى باب المدرسة.
صمت قصير، ثم قالت المديرة للأسف يا أستاذ، اسمها يُسجّل غيابًا يوميًا. لم تدخل الفصول منذ أسبوع.
أغلق الهاتف ويداه ترتجفان. نظر إلى الباب كأنها ستفتحه في أي لحظة لتقول سوء تفاهم. لكن البيت ظل صامتًا. نامت الأم، وبقي هو مستيقظًا يعيد المشهد في رأسه مريم تنزل من السيارة، تدخل البوابة، ثم... تختفي. أين تذهب؟ مع من؟ ولماذا تكذب عليه وهي التي كانت أقرب الناس إلى قلبه؟
في الصباح التالي لم يواجهها. لم ېصرخ. تصرف كأن شيئًا لم يكن.
يلا يا مريم، سنتأخر.
ركبت بجانبه صامتة، وجهها متعب، وعيناها لا ترفعان عن الأرض. أوصلها إلى المدرسة، قبّلت يده كعادتها وقالت ادعُ لي يا أبي.
هذه المرة لم يتحرك. ركن السيارة بعيدًا واختبأ قرب كشك صغير، وعينه لا تفارق البوابة.
بعد عشر دقائق رأى ما أوشك أن يوقف قلبه.
خرجت مريم من باب جانبي خلف السور، تنظر حولها پخوف، ثم عبرت الشارع ودخلت حارة ضيقة. تبعها بحذر. كل خطوة تحمل ألف سؤال وأسوأ الاحتمالات.
توقفت أمام بيت متهالك في آخر الحارة. طرقت الباب ثلاث طرقات خفيفة، ففتحت لها امرأة مسنّة شاحبة الوجه. دخلت مريم بسرعة.
اقترب حسين من نافذة مفتوحة وسمع صوت المرأة الضعيف
لماذا جئتِ يا بنيتي؟ قلت لكِ المدرسة أهم.
ردت مريم وهي تحاول الضحك ساعتان فقط يا تيتا أمينة. أجهز لكِ الدواء والطعام وأعود. لا تقلقي.
نظر من الشق فرأى ابنته تخرج علبة دواء وخبزًا وجبنًا من حقيبتها، تنظف البيت، ترتب فراش العجوز، كأنها تفعل ذلك منذ سنوات.
من هذه المرأة؟ ولماذا تخدمها مريم في السر؟ ولماذا تترك مدرستها من أجلها؟
طرق الباب بيد مرتعشة.
فتحت مريم، فشحب وجهها وسقطت على ركبتيها سامحني يا أبي... والله لم أفعل شيئًا خطأ.
دخل حسين. كانت أمينة تحاول النهوض وتقول لا تعاقبها يا ابني... هذه البنت رحمة من الله.
جلس على كرسي متهالك، واستمع.
قبل أسبوعين وجدت مريم أمينة واقعة في الشارع قرب المدرسة. أوصلتها إلى